رأي الحزب

حزب الأمة : لا إصلاح سياسي حقيقي إلا بحكومة منتخبة أكد حزب الأمة في بيان له أن المرحلة التاريخية التي تمر بها الكويت لا يمكن مواجهة تداعياتها بشكل إيجابي إلا بقيام حكومة جديدة تمهد لقيام حكومة منتخبة من قبل الشعب الكويتي , وجاء في البيان ما يلي : إن حزب الأمة وهو يتابع مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة ليؤكد أن هذه المرحلة المهمة من تاريخ الكويت لا تحتمل أي تهاون أو تأخير في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والإجتماعي، ومحاربة الفساد بكافة اشكاله لذلك فإن حزب الأمة ينادي بالمبادئ التالية: أولا: تكريس مبدأ فصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء. ثانيا: أن يكلف بتشكيل الحكومة أحد الكفاءات من أبناء الشعب الكويتي تمهيدا للحكومة الشعبية المنتخبة. ثالثا: أن يراعى بتشكيل الحكومة كافة شرائح المجتمع بعيدا عن إعتبارات المحاصصة الفئوية والطبقية والطائفية والقبلية. رابعا: تشكيل الوزارة من التكنوقراط ذوي الكفاءة والنزاهة مع إعطائهم كافة الصلاحيات اللازمة لتطبيق إستراتيجيات الإصلاح . الجمعة 3 محرم 1427 الموافق 3 فبراير 2006

كتب

أسطورة الثورة.. 16

(الثورة العربية والأزمة الشيعية)

الجزء الثاني

بقلم د. حاكم المطيري

4/1/2011م

لا يمكن فهم أزمة التشيع السياسي – كما يؤكد المفكر الإيراني علي شريعتي – قبل فهم النفسية الشيعية الصفوية، وكيف تشكل وعيها لذاتها ولمن حولها عبر التاريخ الإسلامي، وأثر العقائد الغيبية والأسطورية على وعيها (المهدي المنتظر في السرداب)، واختلاط المشاعر القومية الإيرانية بالآراء المذهبية (الشعوبية)، والشعور بالخطر الدائم والظلم القائم (الشعائر الحسينية) ..الخ كل ذلك جعل العقل الصفوي الجمعي أسير الحدث التاريخي والشعور العاطفي، حيث توقف عند لحظة تاريخية (استشهاد الحسين) وعقيدة (مظلومية آل البيت)، وارتكز عليها وأصبحت رحى العقيدة والفكر والوجدان لديه، ولم يتجاوز تلك اللحظة التاريخية المصبوغة بالحزن والألم، وظل رهينا لها حتى انفصل عن الواقع، فصار يعيش عالمه الخاص الافتراضي بعيدا عن الأمة وواقعها، بل اتسعت الفجوة بينه وبين الأمة بكل طوائفها حتى باتت في نظره (الأمة العدو) فليس دينها دينه ولا تاريخها تاريخه ولا آل البيت فيها آل بيته ولا عدوها عدوه!

وقد بالغ التشيع الصفوي في تكريس حالة الفصل بينه وبين الأمة من خلال تعميق الخلافيات والفصل الاجتماعي حتى في المساجد والمقابر وتحديد الأعياد على نحو لا يكاد يوجد بين طوائف الأمة الأخرى!

وكما يقول علي شريعتي في كتابه (التشيع الصفوي ص 142) (حرص الصفويون على تضييق دائرة المشتركات وتوسيع دائرة المختصات تفاديا لاجتماع المسلمين في شعيرة دينية أو فريضة جامعة مما يكرس الشعور بأن الدين ليس واحدا، فالصفوية تخشى من التفاهم والأخوة والوحدة بين المسلمين وتعتبره خطرا يهدد وجودها القائم على الاختلاف بينهم، وهذا الخطر تستشعره الصفوية أكثر شيء في مراسم الحج باعتباره الاجتماع العظيم الذي يضم المسلمين هناك على اختلاف ألوانهم) وترتب على هذا الفصل المذهبي (فصل اجتماعي وثقافي تبعه فصل على الصعيدين القومي والسياسي وبشكل بارز جدا)!

وقد كان حضور التيار الصفوي في إيران وخارجها هو الأبرز قبل الثورة الإيرانية كما عبر عن ذلك علي شريعتي بقوله (ص 103 ) (في إيران لفيف من التشيع العلوي يمكن العثور عليهم في بحر من التشيع الصفوي الذي كاد يغرق بلادنا)!

فالمشكلة ليست بين التشيع الصفوي والعالم الإسلامي السني، بل هو أيضا بينه وبين التشيع الزيديـي نفسه، الذي ظل إلى القرن الرابع الهجري هو المعني والمقصود عند إطلاق كلمة (شيعة) و(تشيع)، فقد (كان الإمامية يعيشون على هامش الحركة الشيعية التي كان يغلب عليها التشيع السياسي المعروف بالتشيع الزيدي، ولم يكن الإمامية يشكلون سوى فئة صغيرة من تيار واسع عريض) على حد قول أحمد الكاتب في (التشيع السياسي ص 339)!

فالشيعة الزيدية الذين كانوا يمثلون مذهب التشيع – والذين بلغ نفوذهم السياسي حد المشاركة في السلطة في بغداد (في عهد بني بويه الذين كانوا زيدية) تحت ظل الخلافة العباسية – لا يؤمنون بأي أصل عقائدي مغاير لدى الشيعة الإمامية، فلا يؤمن الشيعة الزيدية بنظرية النص على علي، ولا النص على اثنى عشر إماما، ولا يؤمنون بوجود المهدي المختبئ، ولا بأن هذه من أصول الدين والإيمان والإسلام، ولا بأن الشيخين أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ظلموا عليا، بل يرون أنهم اختاروا المفضول وتركوا الأفضل ..الخ.

وقد يصل الحال بالشيعة الزيدية إلى إخراج من يقول بتلك الآراء من دائرة التشيع كله حيث وصفهم زيد بن علي نفسه بالرفض للتشيع!

ومع هذا كله يعيش التشيع الصفوي وهما تاريخيا كبيرا بأنه يمثل الإسلام الأصيل والدين الحق وخط آل البيت ومذهبهم!

لقد كان للمفكرين الإسلاميين – كعلي شريعتي وبني صدر- وللحركة الإسلامية في إيران خاصة الشبابية في الجامعات منذ نصف القرن الماضي أثر كبير في تحرير العقل الشيعي من أوهامه التي سجن نفسه بها، وشن المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي حربا شعواء على التشيع الصفوي الذي شل قدرة العقل الشيعي الإمامي على التفكير بشكل صحيح خارج دائرة الموروث الصفوي الخرافي – الذي وإن كان أسبق وجودا من الدولة الصفوية كموروث ثقافي إلا إنه لم يتبلور على هذا النحو كمشروع عقائدي سياسي إلا في ظل الدولة الصفوية – وقد كان تأثر الشباب الإسلامي في إيران بكتب المودودي وسيد قطب والحالة الإسلامية الأممية العامة آنذاك أشد من تأثرهم بالخطاب الشيعي التقليدي، وقد أدى تفاعله مع خطاب الحركة الإسلامية إلى معرفة مكامن الخلل في هذا الخطاب التقليدي الذي تأثر بالتشيع الصفوي أكثر منه بالتشيع العلوي، وهو ما كشف اللثام عنه علي شريعتي في كتابه (التشيع الصفوي)، الذي كان مفكر الثورة الإيرانية وخطيبها والذي اغتاله الشاه قبل الثورة بمدة قصيرة!

لقد قامت الثورة في إيران على أكتاف الشباب الإسلامي بالجامعات وشارك فيها كل فئات الشعب الإيراني، في الوقت الذي كان الشاه يتحكم بالخطاب الشيعي الصفوي التقليدي من خلال المراجع الذين لم يتفاعلوا مع خطاب الثورة، إلا ما كان من الخميني والمنتظري اللذين وقفا مع الحركة الإسلامية الثورية، ونجحا في قيادة الجماهير الإيرانية التي تكن للمراجع الدينية احتراما كبيرا، ونجحت الثورة وسقط الشاه، وكان ذلك تحجيما لدور التشيع الصفوي الذي تراجع في ظل الحالة الثورية!

لقد نجح هؤلاء المراجع الدينيون – الذين تأثروا بالخطاب الإسلامي الحركي – في قيادة التشيع في إيران إلى آفاق جديدة عدها المراجع التقليديون خطرا على التشيع الإمامي! ابتداء من قيادة الثورة وإقامة الدولة على أساس نظرية ولاية الفقيه، التي تنافي عقيدة انتظار المهدي وتمثل اعتداء على صلاحياته، وتعد نقضا للتشيع الإمامي من أساسه، ومرورا بإقامة صلاة الجمعة التي كانت معطلة لغيبة الإمام المهدي، وانتهاء بفتوى الخميني بصحة صلاة الجعفري خلف الإمام السني!

فقد كانت تلك الآراء تمثل ثورة فكرية كبرى وتشكل تحديا للتشيع الصفوي، والتي لم تجد قبولا واسعا عند كبار المراجع الشيعة التقليديين في النجف وقم!

ثم نشب خلاف أثناء إعداد الدستور الإيراني الجديد بين الخميني من جهة، والمنتظري من جهة أخرى، في الموقف من ولاية الفقيه وصلاحياته، فحين كان يرى الأول وجوب التأكيد على ولاية الفقيه في الدستور الإيراني، كان الثاني يرى الولاية للشعب الذي قام بالثورة، كما وقع اختلاف في النص على المذهب الإمامي الاثني عشري في الدستور أو الاكتفاء بإسلامية الدولة دون توصيفها طائفيا، وتم النص على طائفية النظام والنص على ولاية الفقيه، وهو ما يحرم السنة الذين شاركوا في الثورة ويمثلون أقلية كبرى من حقهم السياسي بتولي المناصب السيادية كمواطنين!

فانقسم التيار الثوري نفسه إلى إصلاحي أكثر انفتاحا وتحررا من ثقافة التشيع الصفوي بقيادة المنتظري، وتيار محافظ وسط بين التيار التقليدي المرجعي، والتيار الإصلاحي التحرري، وكان هذا التيار الوسط بقيادة خامئني الذي أصبح بعد ذلك نائبا للمرشد بعد عزل منتظري!

وقد كان خامئني بعد أن صار رئيسا للجمهورية يميل للتيار للإصلاحي وكان وراء الموافقة على نشر كتاب آية الله البرقعي في (التوحيد)، حتى تعرض لضغط شديد من التيار التقليدي اضطره لمنع طباعة الكتاب مرة أخرى، كما ذكر ذلك البرقعي في مقدمة كتابه (كسر الصنم)!

وبعد وفاة الخميني وتولي خامنئي لمنصب المرشد أفتى بمنع التطبير والضرب في العزاء الحسيني وعده بدعة محرمة، فدخل في مواجهة مع التيار التقليدي المرجعي الذي بدأ يشكك في قدراته العلمية وأهليته للمرجعية!

وقد اضطره ذلك للميل أكثر نحو الخطاب التقليدي بدلا من الإصلاحي ليحافظ على مكانته كمرشد ومرجع للدولة والطائفة! مما دفعه للدخول في صراع مع التيار الإصلاحي الذي نجح في الوصول للسلطة بخاتمي لمدة دورتين رئاسيتين، وكاد هذا التيار يعزل التيار التقليدي المرجعي، ويحد من نفوذ التيار المحافظ بقيادة المرشد، حتى جاء المحافظون الجدد بقيادة نجاد كقوة سياسية جديدة تنزع في خطابها السياسي للتطرف الطائفي أكثر من الانفتاح الإصلاحي، فعززت مركز المرشد، وبالغت في تقديسه حد قيام نجاد وهو رئيس بتقبيل يد المرشد بكل تواضع!

لقد ظل الخطابان الثوريان (الإصلاحي والمحافظ) يتصارعان في الساحة العلمية والثقافية والسياسية الإيرانية، منذ أن تم عزل منتظري عن نيابة المرشد، وظلت الساحة الإيرانية تعيش حالة مراجعات فكرية كبرى، كما هو شأن الأفكار حين تؤسس دولة، تارة يتقدم الخطاب الإصلاحي وتارة يتأخر، وكان للحرب مع العراق أثرها السلبي، حيث تراجع الخطاب الإصلاحي، لحاجة الدولة للجيش العقائدي ورفع معنوياته بخطاب ديني، ثم بعد وفاة الخميني ووقوف الحرب، بدأ الخطاب الإصلاحي يتقدم وبلغ الأمر ذروته في نجاح محمد خاتمي لدورتين، حيث بدأت الأصوات ترتفع في الجامعات والمنابر العلمية والإعلامية تتحدث صراحة في الأصول العقائدية ليس لدى التشيع الصفوي فقط بل التشيع الإمامي نفسه! كعقيدة النص على علي، وعقيدة الوصي، وعقيدة المهدي المنتظر، وعقيدة الفقيه الولي الفقيه..الخ

وهي سلسلة آخذ بعضها برقاب بعض، وبقدر اعتراف الجميع بأن الثورة حافظت على استقلال إيران وسيادتها وحررت الشعب الإيراني من استبداد الشاه ونفوذ الغرب الاستعماري، وأقامت نظام حكم تعددي يختاره الشعب ويحاسبه في انتخابات دورية، حتى تناوب على رئاسة الدولة خلال ثلاثين سنة خمسة رؤساء (بني صدر، خامنئي، رفسنجاني، خاتمي، نجاد)، وجميعهم أحياء وهو ما لم يحدث مثله في دول المنطقة، إلا إن الشارع الإيراني الذي يتمتع بحيوية ونشاط فكري وسياسي كبيرين، لم يتوقف عند ذلك، وأخذ الإصلاحيون يدعون إلى إعادة النظر في ولاية الفقيه التي بدأت تشكل عبئا سياسيا ثقيلا داخليا من خلال تدخل المرشد في كثير من شئون الدولة وصلاحيات الرئيس، وخارجيا بسبب تجاوز نفوذ ولاية الفقيه حدود إيران إلا الدول الأخرى، واستنفار العالم الإسلامي السني من المشروع الإيراني الطائفي الذي تجلى في أبشع صوره بعد احتلال العراق!

لقد استثار تحرر الخطاب الإصلاحي المحافظين الجدد الذين عززوا خطابهم الديني لمواجهة خطاب خصومهم السياسي، وهو ما أدى إلى المواجهة بين التيارين، خاصة بعد انتخاب نجاد للرئاسة الثانية، والاحتجاجات الواسعة التي عصفت بإيران وكادت تسقط النظام، وما زالت المواجهات قائمة، وما زالت إيران تعيش على صفيح ساخن، ولن يمضي وقت طويل حتى يصل الإصلاحيون من جديد لحكم إيران، لا كمشروع سياسي فقط كما هو الحال في عهد خاتمي، بل كمشروع فكري عقائدي يرفض ولاية الفقيه ويرفض التشيع الصفوي الطائفي الذي نجح في عزل إيران والشعب الإيراني عن الأمة قرونا طويلة!

لقد جاءت الثورة العربية اليوم لتحفز الشعب الإيراني على التغيير وتعزز خطاب تيار الحركة الإصلاحية في إيران، الذي يتطلع إلى إقامة العلاقة مع العالم العربي والإسلامي حال وصوله للسلطة لا على أساس طائفي كمشروع المحافظين الجدد بقيادة نجاد، بل على أساس إسلامي عقلاني، وعلى أساس المصالح المشتركة والتاريخ الحضاري المشترك بين الشعب الإيراني وشعوب العالم الإسلامي.

لقد كانت ازدواجية المواقف الإيرانية تجاه أحداث أفغانستان ولبنان والعراق وسوريا والبحرين تنم عن نظرة طائفية للأحداث تراعي مصالح إيران وجيوبها الطائفية على حساب مصالح الأمة كلها!

فرأت وجوب دعم المقاومة اللبنانية (حزب الله) لمواجهة (المشروع الأمريكي) في المنطقة، حتى لو كانت حكومة الأكثرية ترفض ذلك حرصا على استقرار لبنان!

وفي المقابل دعمت (حكومات الاحتلال الأمريكي) في العراق وأفغانستان ضمانا للاستقرار فيهما، والتصدي للمقاومة العراقية والأفغانية على حساب سيادة العراق وأفغانستان واستقلالهما، ودعمت اجتثاث حزب البعث العراقي ولو بالتعاون مع الاحتلال الأمريكي!

أما الثورة الشعبية في العراق وسوريا ضد حكومة الاحتلال في بغداد وحكومة الاستبداد في دمشق فهي مؤامرة غربية خارجية يجب التصدي لها ويجب دعم صمود حزب البعث السوري المقاوم للوجود الأمريكي!

والثورة في البحرين مظلومية الأكثرية التي يجب الوقوف معها ودعمها ضد حكومة البحرين الاستعمارية وجيوش الاحتلال الخليجي!

إلى غير ذلك من ازدواجية المواقف السياسية الإيرانية التي تفتقد لمعيار مبدئي أخلاقي!

ولعل أغرب ما في الظاهرة الشيعية السياسية هو توافق رؤاها للأحداث وتوافقها في التفسير لها والتبرير على نحو مثير للتفكير!

فالسياسي كالمفكر كرجل الدين فالجميع ينظر للأحداث من منظور واحد هو منظور إيران والطائفة!

فالتعاون مع الاحتلال الأمريكي في العراق ليس جريمة كبرى ولا خيانة للأمة بل هو سياسة وفلسفة لا تتعارض مع رفض الشيعة للشيطان الأمريكي ونفوذه في المنطقة!

والفساد المالي والإداري الذي يغرق فيه العراق اليوم بشهادة العالم كله ومنظماته الدولية، وانتهاكات حقوق الإنسان التي تضج بها تقارير المنظمات الحقوقية، والقتل الطائفي الذي تقوم به الحكومة العميلة للاحتلال، كل ذلك لا يراه هذا الطيف الشيعي السياسي جريمة توجب الثورة ضد النظام!

وقتل مليون عراقي وتهجير أربعة ملايين وتدمير العراق وتقسيمه وإخضاعه للاحتلال الأمريكي كل ذلك ثمن بخس من أجل تحرير الشيعة من ظلم البعث!

بينما لا يحق للشعب السوري أن ينتفض ولو بثورة شعبية سلمية وطنية حرة  – لا دخل للجيش الأمريكي فيها – لإسقاط النظام البعثي في دمشق، لأنه في نظر إيران نظام مقاوم لأمريكا التي يتحالف معها الشيعة في العراق وأفغانستان!

لقد زارنا في مقر (حزب الأمة) بعض الوفود الشيعية السياسية والفكرية والفقهية للتحاور في قضايا كثيرة على مدى سنوات طويلة، وكان أبرز ما يلاحظ على هذا الطيف السياسي هو انفصال كثير منهم عن واقع الأمة الحقيقي، وتشكل وعيهم لعالم افتراضي لا يشعر به إلا هم وحدهم!

وكان من تلك الوفود زيارة برئاسة عمار الحكيم أواخر سنة 2007م وكان معه وفد كبير فيهم مستشار للمرشد الإيراني خامنئي وممثل لتيار الصدر..الخ

فأخذ عمار الحكيم يتحدث عن مظلومية الشيعة في العراق، وكيف تخلى العرب عنهم، وكيف تراق دماؤهم في العراق ولا بواكي لهم، ويتساءل أين العرب والسنة عن نصرة إخوانهم الشيعة في العراق الذين يتعرضون للقتل اليومي على يد الإرهاب ..الخ

فلما فرغ من حديثه وكنت والأخوة من أعضاء مكتب الأمانة في حزب الأمة في غاية الذهول من هذا الخطاب العاطفي غير العقلاني وغير الواقعي!

فقلت له : أراك لم تتحدث عن احتلال أمريكا للعراق! واختزلت كارثة العراق الذي يقع تحت الاحتلال الأمريكي والبريطاني ويخضع لمئة وخمسين ألف جندي أجنبي يواجهون أشرس مقاومة عرفها العالم باعتراف أمريكا نفسها، لتتحدث عن خطر الإرهاب وهي شماعة أمريكا التي بررت بها مشروع الاحتلال للعراق!

وقلت له : متى حدث هذا الإرهاب؟ ومتى بدأ القتل على الهوية الطائفية في العراق؟ إنه لم يحدث إلا بعد احتلال العراق الذي يخضع لحكومتكم وحليفتها الولايات المتحدة!

إنكم اليوم تحكمون العراق بميليشيات الموت ومع ذلك ما زلتم تتحدثون عن مظلومية الشيعة!

وقلت أيضا : أنتم تعيشون وهما كبيرا حين تتصورون أن العرب ضد الشيعة، وقد وقف العرب مع المقاومة اللبنانية في مواجهة إسرائيل ولم ينظروا إلى هويتها الطائفية، ولم يحتاجوا إلى فتوى من أحد حتى يقفوا في الخندق الذي يجب الوقوف فيه لمواجهة العدوان الإسرائيلي على لبنان! بينما لا تريدون الأمة أن تقف مع المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي لوطنها!

إن المشكلة هي أنكم لا تعرفون العرب وشعورهم القومي وحسهم العروبي الفطري، وهو الذي جعلهم يتجاوبون من الخليج إلى المحيط مع خطاب جمال عبد الناصر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ومع وقوف دولهم وإعلامها آنذاك ضده، ومع ضعف الوعي السياسي كان الملايين يخرجون في المدن والأرياف يهتفون له، وهو ما حاول صدام تكراره ونجح إلى حد كبير!

فالعرب يستثيرهم الحس القومي أكثر من الخطاب الديني الطائفي!

إن مشكلتكم ليست في كونكم شيعة فقد كان العراق قبل الاحتلال لا يعيش مشكلة طائفية أصلا، لا قبل وصول البعث للسلطة ولا بعد وصوله، وكان حزب البعث حزبا علمانيا وأكثر قياداته وكوادره من الشيعة، وواجه الشعب العراقي إيران في حرب دامت ثمان سنوات بجيش عراقي موحد غير طائفي، وإنما مشكلتكم هي مع الشعب العراقي ومع العرب، وهي أنكم جئتم على ظهر دبابة الاحتلال واتخذتم من يوم سقوط بغداد عيدا وطنيا لكم، فاستثرتم بذلك الحس القومي لدى شعوب العالم العربي خاصة، والحس الديني لدى شعوب العالم الإسلامي عامة!

إن كل شعوب العالم ترفض الاحتلال وتقاومه وترفض من جاء معه وتعد ذلك خيانة وهذه مشكلتكم!

إن مشكلة العراق اليوم هو الاحتلال وحكومة الاحتلال التي تحاصر المدن العراقية بإشراف أمريكي وتدكها بالطيران دون فرق بين مدينة سنية وشيعية كما حدث في الفلوجة والنجف وكربلاء!

ثم حاول عمار الحكيم تبرير موقفهم بأسلوب عاطفي وتبرئة أنفسهم من التعاون مع الاحتلال وأنهم اختاروا المقاومة السلمية!

وقال ممثل التيار الصدري نحن وقفنا مع خيار المقاومة ونلتزم بموقف مراجعنا!

فقلت لهم : كيف تعدون أنفسكم مقاومة وأنتم تشاركون في حكومة الاحتلال بوزراء منكم وهي التي تخضع المدن العراقية المقاومة للجيش الأمريكي!

وأما مراجعكم فلا يمثلون الشعب العراقي الرافض للاحتلال ولم تمنع فتاواهم من تصاعد عمليات المقاومة حتى بلغ معدلها آلاف العمليات يوميا باعتراف الجيش الأمريكي!

والمقاومة العراقية – وليس مراجعكم – هي التي فرضت على المحتل المسارعة بالعملية السياسية بعد أن كان مقررا أن يظل العراق تحت سلطة حاكم عسكري أمريكي لمدة سبع سنوات!

ثم تحدث أحدهم وهو شيخ كردي شيعي فقال : لماذا تتحدثون عن القواعد العسكرية للاحتلال الأمريكي في العراق ولا تتحدثون عنها في الخليج الذي تعيش شعوبه في رفاه واستقرار فما المشكلة أن يكون العراق كذلك!

فقلت : إذن أنتم لا ترون مشكلة أصلا في الاحتلال وقواعده! وتريدون للعراق أن يخضع للنفوذ الأمريكي كما هو حال دويلات الخليج العربي! وهو ما لا ترضون حدوثه لإيران!

إننا نحترم إرادة الشعب العراقي، وحين يوقف المقاومة والقتال لمصلحة ما فلن يستطع أحد إجباره على المقاومة، إلا إننا ليس أمامنا خيار حين يقاوم إلا الوقوف معه بكل ما نستطيع، وكذا الشعب الفلسطيني، وكذا أي شعب يتعرض للاحتلال فإنه حين يقاوم يجب على الأمة كله نصره، وإن تخاذل منه من تخاذل، أو تحالف مع الاحتلال من تحالف!

ثم قلت : إن أزمتكم هي أنكم لستم ليبراليين ولا علمانيين ولا شيوعيين بل أنتم تمثلون الخط الديني السياسي عند الشيعة، وترفعون شعار أتباع آل البيت! ومع ذلك فأنتم تتحالفون مع الاحتلال الذي تقتل جيوشه الشعب العراقي والأفغاني دون أن ترفعوا شعارات (هيهات منا الذلة) و(يا لثارات الحسين) ودون أن تعرف الأمة متى تثورون وممن تثأرون إذا لم تثوروا على الاحتلال وتثأروا منه!

فقالوا إن الشعب العراقي اختار المقاومة السياسية السلمية ورضي بصناديق الانتخابات؟

فقلت : إن المقاومة السلمية لا تسقط حق من أراد المقاومة المسلحة، وهو حق مشروع لكل شعوب العالم بالمواثيق الدولية والشرائع السماوية، وليس للانتخابات قيمة أو شرعية في ظل فقد الوطن لسيادته وحريته واستقلاله، ولن تأت الانتخابات إلا بمن يريدهم الاحتلال من حلفائه لا من يريدهم الشعب العراقي، ونحن نعرف كيف يتم تزوير إرادة الشعوب في الدول العربية التي تتمتع باستقلال صوري فضلا عن بلد تحت الاحتلال كالعراق!

ثم إنكم لم تعترفوا أصلا بوجود مقاومة عراقية للاحتلال، ووصفتم كل المقاومة بالإرهاب كما يصفها الاحتلال، فأصبحتم جزءا من الاحتلال ومشروعه في نظر المقاومة العراقية!

فقالوا : هذه أقلية لا تمثل الشعب العراقي!

فقلت : الأكثرية في العراق على المستوى القومي هم العرب الذين يمثلون أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب، وهم يرفضون بحسهم القومي العروبي الاحتلال ومن جاء مع الاحتلال، وعلى المستوى الديني فالأكثرية في العراق هم المسلمون الذين يشكلون أكثر من تسعين بالمئة وهم كذلك بحسهم الديني يرون وجوب مقاومة الاحتلال، وعلى المستوى المذهبي فالسنة هم الأكثرية عربا وكردا وتركمانا، والشيعة لا يتجاوزون أربعين بالمئة! وإنما حاول الاحتلال إثبات أكثريتهم بتقسيم قومي ثم طائفي ليضمن لحلفائه السيطرة على العراق بدعوى أنهم الأكثرية!

ثم تحججوا بأنهم يتعرضون لهجوم إعلامي وتضليل من وسائل الإعلامي العربي تؤثر على الاستقرار بالعراق!

وقد قلت لهم: أين هذا الإعلام العربي عن تضليل الرأي العام يوم حرب إسرائيل مع المقاومة اللبنانية؟ لم لم تؤثر وسائل الإعلام تلك بالرأي العام العربي؟

لقد رأينا في مواقف كثيرة كيف تورطت الحكومات ووسائل إعلامها مع القوى الاستعمارية، كما جرى في حرب احتلال العراق، وظل الشارع العربي بعفويته وفطرته يرفض الحرب على العراق ولم تستطع وسائل الإعلام تضليله!

وكان مما قلت : العالم العربي مفتوح لكل التيارات الفكرية على مصراعيه فراجت فيه الشيوعية والقومية والليبرالية، ولا توجد اليوم دولة عربية عقائدية تمثل السنة أو الأمة، ومع ذلك لم يستطع التشيع  اختراق العرب ثقافيا مع أنه نشأ عربيا منذ ألف وأربعمائة سنة؟

فالمشكلة ليست في العرب كأمة من الطبيعي أن يستثار حسها القومي حين يشعر بالخطر الخارجي! بل المشكلة في التشيع الصفوي كفكرة تقوم على (الشعوبية) التي لا تقتصر على المساواة بين العرب والعجم، بل تتعداه إلى ازدراء العرب وانتقاصهم والنظر لتاريخهم منذ عهد أبي بكر وعمر وفتوحاتهم التاريخية والحضارة العربية الإسلامية التي ازدهرت في الخلافة الأموية ثم العباسية على أنه ظلمات وظلم، بينما ينظر للدولة الصفوية الإيرانية كدولة إسلامية تستحق الإشادة!

إن التشيع يحمل في طياته بذور فنائه في الثقافة العربية التي لا تستطع أن تتصور الإسلام دينا وتاريخا ولسانا وثقافة دون العرب الذين حملوا الإسلام وفتحوا العالم وشادوا حضارة كبرى حجر الأساس فيها وقطب رحاها الصحابة رضي الله عنهم بكل خلفائهم وأبطالهم وبطولاتهم!

وهذا الذي يفسر رفض العرب بفطرتهم وعفويتهم العروبية للتشيع الصفوي بنظرياته الشعوبية! ولهذا لم تتجاوز نسبة الشيعة العرب عشرة بالمئة عامتهم في المناطق المتاخمة لإيران!

وقلت لهم : إن مشكلتكم ليست مع الإرهاب المزعوم والمجهول فاعلوه، بل مشكلتكم مع العرب كأمة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي تتطلع إلى تحرير العراق العربي بأي ثمن من الاحتلالين الأمريكي والإيراني!

لقد كانت تلك الزيارات تكشف لنا عمق الأزمة التي يعانيها التشيع السياسي، وكيف يشكل وعي أتباعه من خلال منظور خاص، لا يمكن لهم معه النظر إلى الإسلام كما هو الإسلام، وإلى التاريخ كما هو التاريخ، ولا إلى الواقع كما هو الواقع، وتتسع الفجوة بينهم وبين الأمة بحجم اتساع الفجوة بين التاريخ والواقع!

وكما يقول علي شريعتي (التشيع الصفوي 265) (لقد ظل التشيع يرفض كل أشكال الحكم إلا  ما كان ينسجم مع نظام حكم علي، وقد شمل هذا الرفض حتى حكومة عمر بن عبد العزيز التي تتمتع بتقوى وعدالة نسبية عاليتين، بيد إن هذا التشيع انتهى إلى أن يعتبر قيام الدولة الصفوية نصرا تاريخيا له، ومن ثم عمل على شد أزر الشاه عباس الصفوي في جهاد الأخوة المسلمين)!

لقد بلغ الحال بالتشيع الصفوي حد التفاهم بل والتحالف مع الغرب الصليبي في مواجهة العالم الإسلامي كما يقول المفكر الإسلامي الإيراني علي شريعتي (التشيع الصفوي 206) (من القضايا الواضحة وجود ارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي كان لها حضور فاعل على الصعيد الدولي إبان الحكم العثماني، وشكلت خطرا جديا على أوربا، وقد وجد رجالات التشيع الصفوي أنه لا بد من توفير غطاء شرعي لهذا التضامن السياسي، فعملوا على تقريب التشيع من المسيحية..الخ)!

لقد حاولت إيران الثورة تجاوز التشيع الصفوي في بدايتها الثورية، غير إن التشيع الصفوي نجح أخيرا بعد صراع سياسي وثقافي مع التيار الإصلاحي من استعادة نفوذه من جديد، وهو ما يفسر إلى حد كبير حالة الاضطراب التي تعتري السياسة الإيرانية التي تعيش صراعا بين المشروع الصفوي الطائفي، والمشروع الإصلاحي، وبين سياسة الانفتاح على الأمة والمستقبل، والانغلاق والانكفاء على الذات والارتهان للماضي، وبين مشروع ولاية الفقيه واستبداده، ومشروع ولاية الشعب الإيراني وحريته، وبين سياسة دعم حركات المقاومة والتحرر من الاحتلال والاستبداد، والازدواجية السياسية والتفاهم مع الاستعمار الخارجي وقمع حركات المقاومة والتحرر الوطني في العالم العربي والإسلامي!

لقد كان للثورة العربية المعاصرة تداعياتها على المنطقة كلها، وكشفت عن خلل في المعايير ليس فقط لدى التشيع السياسي، بل لدى قطاع واسع من الطيف الإسلامي الذي يعاني من تلك الازدواجية في نظرته للحرية الإنسانية، وهذه بعض الرسائل التي تكشف جانبا من جوانب الأزمة لدى الجميع، حيث أثار مقالي (الثورة البحرينية والشماعة الطائفية) ردود أفعال كلا الفريقين:

(رسالة بخصوص مقالي الثورة البحرينية)

22/ 3 /2011م

الأخ العزيز الدكتور حاكم المطيري حفظه الله..

السلام عليكم ورحمة الله..

قرأت مقالك عن (الثورة البحرينية والشماعة الطائفية) وكانت لدي ملاحظات عديدة لا أريد أن أناقشك فيها الآن، ولكن لفت نظري قولك : (الأكثرية الشيعية اليوم في البحرين، هي كالأكثرية الهندية في الإمارات، أو الأكثرية اليهودية في فلسطين، والتي هي في حقيقتها أكثرية طارئة مستوردة لتقوم بمهمة وظيفية في مرحلة استعمارية قد انتهت، ولم تكن هجرات طبيعية، بل هجرات سياسية لغرض سياسي، أرادت بها المشيخات الاستقواء على سكان الخليج الأصليين بعنصر أجنبي (وهذا يشبه القول إن الأكثرية العربية السنية في الجزيرة العربية أو السعودية أو الكويت هي أكثرية طارئة تشبه الأكثرية الهندية في الإمارات والأكثرية اليهودية في فلسطين. وفي ذلك منافاة صارخة للحقائق وتجنب للحق، ورغم إنك في المقال استنكرت العنف من قبل الحكومة وطالبت بالملكية الدستورية، إلا إن المقال بصورة عامة كان ضد الحركة الشعبية البحرينية المطالبة بالديمقراطية، وحاولت إسقاط مواقف الشيعة في الكويت وإيران والعراق على حركة الشعب في البحرين، وهذا يناقض قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وينطلق من تصور وجود وحدة طائفية في كل شيء، وهذا غير صحيح فإذا كان موقف المملكة العربية السعودية وحكام الخليج ضد مقاومة الشعب اللبناني لإسرائيل، فهل يعني جواز اتخاذ موقف سلبي من جميع السنة في كل مكان؟

أحمد …

….

(رسالة الرد )

22/3/2011م

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومرحبا بك دكتور أحمد وكم أسعدني تواصلك معي مهما اختلفنا في الرأي ..

أخي أحمد ليس لي أي موقف طائفي من أحد، فالإسلام عندي فوق وقبل الطوائف، وإنما المنطقة تعيش حالة طائفية، ولا يمكن أن نتجاهل الدور الإيراني فيها ومحاولته من خلال الشيعة في الخليج العربي فرض نفوذه، لا لصالح الإسلام بل لصالح المذهب والمصالح القومية الإيرانية!

ومع أننا وقفنا مع إيران ضد الهجوم الأمريكي عليها وعلى مفاعلها النووي، إلا إن هذا لا يمنعنا من رفض ما تقوم به إيران من تجاوزات سواء في العراق أو الخليج، كما إننا في الوقت ذاته وقفنا ضد كل الحكومات الخليجية والعربية الحليفة للغرب الاستعماري ولم يشفع لها عندنا إدعاؤها أنه دول سنية، فنحن لا نحابي أحدا في دين الله!

أما بالنسبة للوجود العربي في جزيرة العرب فلا أظن أنك تقصد ما تقول ولم أفهم مرادك في كونه وجودا طارئا؟

ونحن لم نقصد فيما ذكرناه استبعاد الشيعة الإيرانيين من الخليج، بل قصدنا أنه لا يمكن الاحتجاج بالأكثرية في البحرين مع أن كثيرا منهم جاءوا من إيران، وتم تجنيسهم لغرض سياسي، كما حصل في الكويت، فلا يحق لهم أن يعترضوا على تجنيس فئة البدون أو تجنيس العرب من اليمنيين وغيرهم!

وعلى كل حال فأعتذر عن أي إساءة غير مقصودة وإنما كما لم أحاب السنة في جرائمهم لن أحابي الشيعة في جرائمهم لمجرد أن يصفني أحد بالاعتدال! فأنا مع الأمة ومع مصالحها الإستراتيجية ومع الشعب الإيراني الشيعي، ومع الشعب الخليجي السني، وضد سياسات حكومة إيران الطائفية في المنطقة، وضد سياسات حكومات الخليج الطائفية!

وتحياتي لك ..

حاكم المطيري..

…..

(رسالة ثانية)

23/3/2011م

أخي الكريم الدكتور حاكم حفظه الله..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا لم أقصد القول بأن العرب أو السنة في الجزيرة العربية طارئين، وإنما شبهت هذا القول المستنكر بقولك إن الشيعة في البحرين طارئين كالهنود في الإمارات واليهود في فلسطين، وكلا القولين باطلان، فالشيعة في البحرين معروفون بعروبتهم وبأصالتهم والطارئ عليهم هم آل خليفة الذين استعمروهم بالتحالف مع قوى الاستعمار منذ مائتي وثلاثين عاما، وأما التجنيس السياسي الذي تتحدث عنه فقد كان للفرس السنة الذين استعان بهم آل خليفة ضد الشيعة، صحيح هناك شيعة فرس استوطنوا البحرين وهم معروفون باسم العجم ، بينما السنة الفرس معروفون بالبستكية، ولكن تبقى الأكثرية شيعة عربية، وآنا أسف لاستخدام هذه التعابير والتقسيمات الطائفية والقومية، ولكني اضطررت لاستخدامها فقط في الرد على من يحاول إنكار عروبة وأصالة الأغلبية في البحرين لمجرد أنهم شيعة، وهذا ظلم كبير لطائفة كبيرة من المواطنين، ولا يمكن مقارنة ما حدث في الكويت بما حدث في البحرين، فما حدث في الكويت كان عبارة عن قبيلة صغيرة أو قبائل كبرت وإمارة استوعبت الفرس والعرب من العراق والجزيرة العربية، على العكس من البحرين التي كانت بلدا قائما ثم احتلت من قبل حكام من الخارج، وتقوم بالتجنيس السياسي اليوم في محاولة لتغيير الديمغرافيا الطائفية والتلاعب بميزان الأكثرية والأقلية، حتى تضيع صوت المواطنين الأصليين بالوافدين الذين لم يستشاروا ولم يرغبوا في هذا التجنيس، وإذا جاز لك أن تشبه فيمكن القول إن الوافدين السياسيين الطائفيين الجدد هم يشبهون اليهود الذين تكاثروا على فلسطين بهدف القضاء على عروبتها، ولذلك فان من حق الشعب البحريني أن يرفع هذه القضية لأنه يشعر بالظلم والتمييز بسببها.

وأرجو أن تكون قريبا من الأحداث أكثر، وأن تزور البحرين، وتلتقي بمختلف الفرقاء، ولا بأس أن تقوم بوساطة بين المعارضة والسلطة، وقد بعثت لك بمقالة كان قد كتبها أحد الصحفيين البحرينيين عن تهمة رفع المتظاهرين لصور خامنئي ونصر الله، فقال إنها كانت في مناسبات سابقة متعددة كانتصار حزب الله في حرب تموز أو يوم القدس وأكد إن المتظاهرين لم يرفعوا أي شعار ولا أي صورة حتى لسياسيين بحارنة في المظاهرات الأخيرة بهدف توحيد الصف، ولم يرفعوا سوى العلم البحريني، ولكن السلطة سارعت لتشويه سمعتهم واتهامهم بالطائفية.

وقد أعجبتني فقرة في مقال لك حول البحرين تشير فيها إلى  قيام السعودية بضرب الحركة الدستورية في الكويت والتي قادها السنة، مما يدل على أن جذر المشكلة الحالية في البحرين سياسي أكثر منه طائفيا، ولو قام السنة بنفس الحركة في البحرين أو في أي بلد آخر لضربتهم السعودية ومن ورائها أميركا، كما حاولت أن تقف ضد الثورة المصرية رغم انتماء الشعب والنظام إلى مذهب واحد، وعدم وجود شيعة في مصر سواء في المعارضة أو النظام؟

وياليتنا  ننسق معا ونعمل من أجل وقف التداعيات الطائفية، وتشكيل تيار أو توجه سياسي وحدوي يدعم الحركات الثورية في كل مكان ويبعد الروح الطائفية عنها.

تحياتي لك ولجميع الإخوة

والسلام عليكم ورحمة الله..

أخوكم

أحمد…

(رسالة الرد)

وعليكم السلام ورحمة الله أخي الدكتور أحمد..

ويسعدني التعاون لتشكيل جبهة أو تيار للتنسيق لدعم الحراك الإصلاحي الثوري في العالم العربي ضد الاستبداد بعيدا عن الطائفية، كما أكرر اعتذاري عن أي إساءة غير مقصودة، ولا أشك في عروبة كثير من شيعة الخليج العربي – وليس الأكثر – سواء في الكويت أو البحرين أو المنطقة الشرقية، وإنما قصدت بأن الاحتجاج بالأكثرية ليس في صالح المعارضة البحرينية، ولست بعيدا عن المنطقة ولا عن تاريخها ولا عن التغيير الديمغرافي الذي حصل فيها – منذ سنة 1920م – وأرض الإسلام واحدة، ولا ينقص الفرس كونهم فرسا، ولا يزيد العرب كونهم عربا، وإنما المهم كيف نتطلع إلى مستقبل تقرر فيه حقوق المواطنة وحقوق الإسلام للجميع بلا استثناء ولا فرق ين السنة والشيعة، ولا بين العرب وغيرهم، وإنما حين ينبري صوت طائفي سني أو شيعي يجب التحذير منه، وقد تعاطفنا مع الثورة البحرينية وأصدرنا بيان تأييد لها – كسائر الثورات العربية – وهو منشور في موقع مجلة مؤتمر الأمة الإلكترونية، غير إن الحكومة البحرينية نجحت في خلط الأوراق ووقعت المعارضة في الفخ، وقد سمعت بنفسي تصريحات لقيادات شيعية بحرينية متطرفة في القنوات الفضائية الخارجية، وكان خطابها طائفيا، وللأسف فإن الشارع السياسي عندنا يتأثر سريعا، وللحكومات يد طولى في توجيهه بوسائل إعلامها ليضيع الصوت العقلاني من الطرفين، وقد زاد الطين بلة حين دخل على الخط الشيعة في الكويت، والذين وقفوا مع الحكومة حين قمعت المعارضة، بل ومنعت التجمعات، ودافع عنها النواب الشيعة في البرلمان، مع أننا وقفنا معهم في قضية تأبين مغنية – حين تعرضوا للاعتقال التعسفي - وتفاجأنا بأنهم يقفون مع الحكومة في قمعها للحريات في الكويت في الفترة القريبة الماضية، فلما حصل ما حصل في البحرين أخذوا يصفون العرب بالنفاق، وأنهم وقفوا مع ثورة مصر وتونس ولم يقفوا مع ثورة البحرين!

لقد استاء من هذه الممارسات والازدواجية للقوى السياسية الشيعية كل التيارات بما فيها التيار القومي الذي ينبذ الطائفية، والتيار الليبرالي، وحتى التيار الإسلامي المعتدل كالأخوان المسلمون وغيرهم، والسبب هو فقدان هذه الأحزاب الشيعية - والتي لا تعبر بالضرورة عن موقف الشيعة ولا تمثل الشيعة كطائفة - لمعيار مبدئي يمكن أن نتفاهم معها عليه، فهي تريد منا أن نكون مبدئيين، وأن تبقى هي ميكافلية في مواقفها؟ فالمظاهرات في العراق وإيران ولبنان وسوريا  فتنة وفوضى ومحرمة، وأما في البحرين فحق يجب الوقوف معه، وإلا فنحن العرب منافقون!

أخي الدكتور أحمد أنا لا أحمل الشيعة وزر مواقف هذه الأحزاب، إلا أننا يمكن أن نتفاهم مع التيار الإصلاحي في إيران أو أي تيار إصلاحي شيعي، ولا يمكن أن نتفاهم مع هذه الأحزاب الشيعية أو أن نفهم ماذا يريدون؟ فهم انفصاليون يهددون بانفصال الشرقية مع أنهم فيها أقلية؟

كما إنهم ضد الوحدة الخليجية التي يتطلع إليه الخليجيون جميعا؟

وهم مع النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب الشعوب العربية وحقها في الوحدة والتحرر؟

ولهذا فالهوة تزداد اتساعا بينهم وبين كل التيارات في المنطقة، فعسى أن تسهم أنت وغيرك من المفكرين في بلورة رؤية مشتركة نستطيع أن نفهمهم ونتفاهم معهم حولها لنجنب المنطقة هذه الفتنة الطائفية..

وتحياتي لك

حاكم المطيري..

(رسالة أخرى)

23/3

بارك الله فيكم أخي العزيز..

لقد تحدثت في زيارتي الأخيرة للكويت مع عدد من الإخوة الشيعة حول موقفهم السياسي المؤيد للحكومة والمعارض للمعارضة، فلمست لديهم موقفا متخوفا من بعض السلفيين الذين كما قالوا كادوا يلقون بهم في البحر في قضية التأبين، وتحدثت عقب ذلك مع الأخ فهد … وغيره طالبا منهم العمل على خلق جو تطميني يساهم في إعادة  الوحدة الشعبية، وهي عملية طويلة وشاقة لأنها عملية بناء بينما عملية الهدم سريعة وسهلة، كما عرفت أن بعض المشايخ الشيعة تسلموا أو يتسلمون أموالا من الحكومة طائلة، ولا بد أن نسعى الآن لكي لا يزداد الشرخ الطائفي، ولا تكثر ردود الأفعال الطائفية المضادة..

وقد قرأت مؤخرا مقالا للمهندس علي الشملان مؤسس مجموعة الملكية الدستورية في السعودية وكان مقالا رائعا منصفا أعتقد أنه مفيد جدا في بناء اللحمة، وكنت سابقا قد تحدثت مع دعاة الانفصال في السعودية وهم أشخاص معدودون، وبعضهم يطرح الشعار في محاولة  تكتيكية منه لنيل المكاسب السياسية وإجبار الحكومة على تلبية مطالبهم..

وهذا ما يحتم علينا التأكيد على الوحدة والحرية والعدالة والديمقراطية فهي مبادئ متصلة، ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، كما يحدث في اليمن ولا تستطيع لمن يتعرض للظلم والاضطهاد بمختلف أنواعه أن تقول له اسكت وحافظ على الوحدة إذا لم تعطه العدالة والحرية!

وكما أثبت التاريخ فإن الديمقراطية هي التي توحد الناس والديكتاتورية هي التي تمزق الوحدات القائمة كما حدث في العراق وما سيحدث في إيران وغيرها من  البلاد..

بارك الله فيكم وإلى مزيد من التعاون والحوار فيما بيننا..

فإن هنا في … أخوة لكم متفقون على هذه السياسة الوحدوية الديمقراطية.

والسلام عليكم ورحمة الله

أخوكم

أحمد…
..

(رسالة من السعودية)

20/2/2011م

السلام عليكم..

مقالك بعنوان (الثورة البحرينية والشماعة الطائفية) فيه مغالطات يا شيخنا أحببناك ووثقنا بآرائك؛ ولكن بعد هذا المقال تحطم الكثير من الزملاء المعجبين بطرحك!

فأمام الفتن يتبين صاحب النظرة، الطائفية ليست شماعة ولا أخالك تنكر الخطر الشيعي على المنطقة، ولا اليافتات الطائفية التي نراها في مظاهرة البحرين؟

نحن أيها الكريم لسنا بمعزل عن الواقع حتى نتأثر بمقالات أو أطروحات، نعم ثورة تونس ومصر أسقطت طغاة جثموا على الدين والدنيا معا، لكن لا تشغلنا الأحداث والعواطف عن ديننا، ومذهب أهل السنة المقموع في بلاد الرافضة، بل ويريدون التسلل إلينا، أنا لن أطيل عليك اللبيب بالإشارة يفهم، وأرسلت لك على الخاص، لأني لم أحب التعليق أمام الجميع لقدرك ومكانتك وشكرا..

عبد الله التميمي..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي عبد الله..

أخي الكريم لا يبدو أنك قرأت المقال كاملا، ولو فعلت لعرفت رأيي في الموضوع كاملا، لا اجتزاء!

فالأخوة السنة في البحرين مع المطالب الإصلاحية، لأنهم متضررون كالشيعة، وليست الحكومة البحرينية حكومة سنية لنتباكى عليها؟ بل هي وحكومات المنطقة حكومات موالية للعدو الأمريكي المحتل!

فأرجو أن لا نخدع بإعلامها المضلل ليصرفنا عن ظلمها وفسادها وانحلالها وتعاونها مع الأمريكان في قمع شعوبها، حتى إذا صرخ الناس من الظلم قالوا لنا احذروا الطائفية!

نحن مع الإصلاح وضد الظلم سواء وقع على سني أو شيعي، وفي نفس الوقت نحن ضد المشروع الإيراني والنفوذ الطائفي، وهذا ما أكدت عليه في آخر المقال فأرجو مراجعته!

الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ومن يظن أننا نكتب ولا نخطأ فلا يتعب نفسه في القراءة لنا، فلسنا أنبياء ولا معصومين، ولا رأي من خالفنا في الاجتهاد خير من رأينا وإلا لتركنا رأينا لرأيه!

نسأل الله لنا ولك ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق والرشاد..

حاكم المطيري..

(رسالة من الرياض)

4/3/ 2011م

السلام عليكم ورحمة الله يا فضيلة الشيخ د0 حاكم المطيرى..

جزاك الله خيرا وبارك الله فيك..

هل تعتقد بأن الشيعه سيكون لهم التمكين في بلاد المسلمين؟ وهل سيحاربون أهل السنة؟

لدى مخاوف من تحركاتهم وخصوصا هذه الفترة في كل مكان!

أنا في الرياض وأدعو دائما الله لا يسلطهم علينا ويجعل كيدهم في نحورهم!
جزاك الله خيرا وبارك ربي بعلمك..

أم عمر..

(الرد )

4/3/2011م

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أختي الكريمة متى ما نهضت الأمة فلا خوف عليها من أحد، فالمشكلة تكمن في ضعفنا لا في قوة مخالفينا، فاطمئني فالشيعة أقلية، وسيظلون أقلية، والمهم أن تنهض الأكثرية، وقد بدأت فعلا بالنهوض..

لقد  كان الجو العام في هذه الفترة التاريخية من عمر الثورة العربية خاصة في الخليج طائفيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد كانت أحداث العراق واحتلاله، والتعاون بين التشيع السياسي وجيوش الاحتلال الصليبي في العراق، وتصاعد القتل الطائفي، كل ذلك كان يلقي بظلاله على المنطقة، فجاءت أحداث البحرين فزاد الاحتقان، وبلغ الشحن الطائفي ذروته بعد ذلك حين تفجرت الثورة السورية، وقد سبقتها الثورة العراقية التي جاءت كأمل للخروج بالعراق والمنطقة من هذه الفتنة الطائفية التي نسج خيوطها الاحتلال الأمريكي ولبس ثوبها التشيع السياسي الصفوي!

قد عبرت عن ذلك الأمل – الذي لم يتحقق بعد ولن يتحقق حتى تستكمل الثورة العربية مداها – حين بدأت الثورة الشعبية مخاضها في العراق، فحذرت منها حكومة الاحتلال الطائفية في المنطقة الخضراء، وصدرت الفتاوى بأن التظاهرات فتنة، في بلد يزعم أنه حقق الديمقراطية لشعبه والتي أبسط مبادئها حق التظاهر السلمي!

فجاء مقال:

(الثورة العراقية… وأوهام الديمقراطية)..

27/2/2011م

زارنا قبيل الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003م ريتشارد بيل المستشار السياسي للسفير الأمريكي في الكويت – وكان اللقاء بحضور الأخوة في المكتب السياسي وقد ذكرت تفاصيل اللقاء في مقالات منشورة في صحيفة الرأي العام آنذاك – وكان جاء يستفسر عن سبب إصدارنا بيانات ترفض الحرب على العراق مع أن الهدف هو تحرير شعبه من الدكتاتورية على حد زعمه؟

فقلت له : لا يوجد في العلاقات الدولية والسياسية شيء اسمه حرب تحرير شعب من حكومته، مهما كانت دكتاتورية فهذا هو التدخل في شئون الدول الداخلية! وإنما تغيير الحكومات هي مهمة الشعوب نفسها!

فحروب التحرير هي ما يكون ضد جيش دولة تحتل بلدا أو شعبا آخر!

فقال لي: الشعب العراقي يريد مساعدتنا لتخليصه من النظام؟

فقلت له: صحيح أن الشعب العراقي يريد إسقاط الدكتاتورية، إلا أنه في الوقت ذاته يرفض الاحتلال الأجنبي رفضا قطعيا، فالذي سيدفع فاتورة الاحتلال ليس النظام بل العراق كدولة والشعب العراقي هو الضحية لمثل هذه الحرب الكارثية! وإذا تورطت أمريكا في هذه الحرب فستكون لها فيتنام ثانية!

فقال : نحن لدينا معلومات تؤكد خلاف ما تقول!

فقلت له: مشكلتكم أنكم لا تقرءون التاريخ جيدا، ولم تستفيدوا من تجارب بريطانيا، التي سبقتكم في احتلال العراق، فكان الثمن غاليا، وكانت ثورة العشرين التاريخية، والتي زلزلت النفوذ البريطاني في المنطقة كلها، وكانت بداية نهايته كإمبراطورية!

فقال : المعارضة العراقية موجودة وهي تؤيد هذا الخيار!

فقلت : هذه المعارضة لا تمثل الشعب العراقي، ولا يمكن أن يقبل الشعب العراقي أحدا جاء مع احتلال أجنبي لوطنه، فهذه خيانة وجريمة كبرى في ثقافة كل شعوب العالم، ولن يبق أحد منهم في العراق إلا في ظل وجود الاحتلال ونفوذه، أما حين يخرج الاحتلال فسيخرج معه كل من خان وطنه وأمته!

فقال : هدفنا هو إقامة نظام ديمقراطي، وحماية حقوق الإنسان، وتنمية العراق..الخ!

فقلت : هذا ما قالته قبلكم بريطانيا وفرنسا إبان احتلال المنطقة، في الحرب العالمية الأولى!

فقد قامت بريطانيا وفرنسا بإصدار بيان مشترك بتاريخ 9/11/1918 موجه للشعوب العربية جاء فيه:(إن الغاية التي من أجلها خاضت فرنسا وانجلترا غمار الحرب في الشرق، هي تحرير الشعوب التي رزحت تحت الاحتلال العثماني تحريرا تاما نهائيا، وإقامة حكومات قومية تستمد سلطتها من اختيار السكان لها اختيارا حرا، ولتحقيق ذلك اتفقت الدولتان فرنسا وبريطانيا على أن تعينا على إقامة حكومات وطنية في كل من سوريا والعراق، البلدين الذين حررهما الحلفاء، يختارهما السكان، وأن تضمنا عدلا يساوي بين الجميع، ويسهل تنمية البلاد اقتصاديا، ونشر العلم).[1]

وبعد الاحتلال لم تخرج بريطانيا وفرنسا إلا بحروب وثورات عربية ذهبت فيه الدماء والأموال، وقد خرجتا بعد خراب شامل للمنطقة العربية، وعندما غادرتنا بريطانيا بعد ستين سنة من نهب نفط دول الخليج، كان العراقيون والخليجيون يعيش أكثرهم في قرى الصفيح، فلا تنمية، ولا تطور، ولا حرية، ولا رفاه، ولا علم!

وها قد فعل الاحتلال الأمريكي بالعراق تحت ذريعة إقامة نظام ديمقراطي ما فعله قبله الاحتلال البريطاني، بل أشد وأنكى، فكان معتقل أبو غريب دليلا على احترام حقوق الإنسان، وكانت فرق الموت وشركات القتل الخاصة كالوتر بلاك هي رمز الحرية، وكانت الطائفية وتقسيم العراق والانتخابات المزورة هي الديمقراطية الموعودة، وكان تهجير الملايين وقتل عشرات الآلاف وتدمير العراق تدميرا كاملا هو الأمل الذي جاءت أمريكا به للعراق!

وها قد جاءت الثورة العراقية الشعبية السلمية اليوم على خطى الثورات العربية المجيدة التونسية والمصرية والليبية، لتفضح أكاذيب أمريكا وعملائها، وأوهام ديمقراطيتها، وثار الشعب العراقي بكل طوائفه وقومياته، مع كل ما مورس عليهم من إرهاب، وحظر للتجول، والتهديد بوقوع عمليات تفجير، واستصدار الفتاوى التي تحرم التظاهر، فلم يثن ذلك كله خروج العراقيين في هذه المظاهرات، وتكمن أهمية هذه الثورة العراقية في :

1-              أنها ثورة شعب عربي حر ما زال تحت الاحتلال الأجنبي، فكانت ثورة ضد الفساد والاستبداد الذي جاءت به العملية السياسية من جهة، وضد الاحتلال الأمريكي والذي مازال جاثما على صدر العراق من جهة أخرى، ولهذا فالثورة العراقية اليوم لها من الأهمية والخصوصية ما يوجب على الأمة كلها الوقوف معها ودعمها بكل الوسائل السلمية المشروعة.

2-              كما إنها ستكشف للعالم كله كيف تكون الازدواجية في المواقف لدى الولايات المتحدة التي تزعم أنها مع حق الشعوب في الحرية والمظاهرات السلمية، فإذا كانت تتلكأ في دعم أي ثورة عربية شعبية كما فعلت مع تونس ومصر، فإنها في الثورة العراقية ستمارس كل ما لديها من إمكانات لوأد الثورة في مهدها، وكتم صوت الشعب العراقي الحر، وغض الطرف عن جرائم حكومة الاحتلال في حق المتظاهرين!

3-              كما إن هذه الثورة أسقطت المشروع الطائفي الذي راهن عليه الاحتلال الأمريكي، واستطاع من خلال حلفائه ضرب إسفين في جدار وحدة الشعب العراقي، وتكريس هذه الحالة الطائفية في الدستور الذي جعل العراقيين طوائف وقوميات، لا مواطنين على قدم المساواة، فأثبتت هذه الثورة أن الشعب العراقي كله سنة وشيعة، وعربا وكردا، ومسلمين وغير مسلمين، شعب واحد، وقد خرجوا صفا واحدا، ولبوا نداء واحدا، في ثورة شعبية سلمية من السليمانية شمالا إلى البصرة جنوبا، لتتحطم على صخرتها الروح الطائفية التي نفخ فيها الاحتلال وحكومة الاحتلال مدة ثمان سنين!

لقد خرجت أكبر المظاهرات في الديوانية وهي منطقة عشائرية، ولم تلتفت إلى المرجعية الدينية، لتؤكد هذه القبائل العربية أن خيار الطائفية قد سقط، وأنها فعلا هي صمام الأمان، وأن القبيلة في العراق هي التي حافظت على وحدة نسيج المجتمع العراقي، حيث تنقسم في العراق القبيلة الواحدة إلى سنة وشيعة، وهو ما لا يمكن معه قبول الطائفية على حساب وحدة الدم والرحم، هذا في الوقت الذي نفخت الأحزاب الطائفية في هذه الروح البغيضة من خلال نظام المحاصصة لتحقيق مكاسب حزبية في العملية السياسية، ما كان لها أن تحققها إلا في أجواء الاحتقان والفتنة، كما فعل حزب الدعوة والمجلس الأعلى والحزب الإسلامي!

4-              أن وقوف مرجعيات دينية شيعة وسنية مع الثورة أعاد ثقة الشعب العراقي بنفسه وبوحدته وبقدرته على توجيه مرجعياته الدينية نحو قضاياه المصيرية، ونحو تحقيق تطلعاته وطموحاته، فالمرجعيات الدينية سنية كانت أو شيعية هي في النهاية جزء من الشعب، وحين يصبح الشعب قادرا على صناعة مستقبله بنفسه ستضطر المرجعيات إلى مجاراته، فضعف الشعب ينعكس سلبا على أداء المرجعيات، وقوته تنعكس إيجابا عليها، اللهم إلا حين توجد المرجعيات التاريخية التي تنفخ من روحها في روح الأمة لتبعث فيها الحياة من جديد، لتجعل من ضعف الأمة قوة، ومن فرقتها وحدة!

5-              كما كشفت الثورة العراقية المباركة مدى الزيف الذي يمارسه الطائفيون في المنطقة الخضراء، الذين رفعوا شعارات الحرية والديمقراطية فإذا هم يمارسون أبشع أساليب القمع الوحشي ضد الشباب المتظاهرين سلميا، وإذا عشرات القتلى والجرحى يتساقطون، وفي أول يوم، وفي كل المدن العراقية من السليمانية شمالا إلى البصرة جنوبا، وإذا الصحفيون والإعلاميون يعتقلون ويزج بهم في السجون!

لقد تجلى وجه الديمقراطية الاحتلالية القبيح عن انتهاك للحقوق والحريات، وعن فساد مالي غير مسبوق حتى تم تصنيف العراق كأكثر دول العالم فسادا ماليا!

وعن ترد خطير في مستوى الخدمات والبنية التحتية بعد ثمان سنين حتى لم تستطع حكومة الاحتلال توفير الماء والكهرباء فضلا عن تحقيق الرفاه التي بشرت به الشعب العراقي!

وعن انتهاك خطير لحقوق الإنسان لم يعرف الشعب العراقي مثله حتى في ظل النظام السابق!

6-              كما كشفت هذه الثورة سقوط أخطر نظرية روج لها الطائفيون ليبرروا جريمتهم وخيانتهم لوطنهم وأمتهم، حين زعموا أنهم ما كانوا ليسقطوا نظام صدام، لولا تحالفهم مع الأمريكان، فجاءت الثورات العربية الشعبية السلمية المباركة في تونس ومصر وليبيا لتثبت بطلان هذه النظرية، وأن مهمة تغيير الحكومات هي مهمة الشعوب، وأن شعوبنا لديها القدرة على تغيير أعتا الأنظمة وأقوى الحكومات، دون أن تلوث يدها بالتحالف مع المحتل الأجنبي، ودون خيانة للوطن والأمة!

لقد كادت هذه النظرية ومن خلال التضليل الإعلامي أن تشكّل ثقافة ممسوخة دخيلة على الثقافة العربية تفتح الباب على مصراعيه أمام كل خائن ليأت على ظهر دبابة الاحتلال بدعوى إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، وهو ما يعني تسويق وتسويغ تعاون المعارضة العربية في كل بلد مع الاستخبارات الأجنبية، لتستبيح جيوش الاحتلال كل بلد عربي ابتداء بمصر وليبيا وسوريا وانتهاء بالمملكة واليمن والمغرب!

إن أخطر ما في تلك النظرية التي روج لها الخائنون في وسائل إعلامهم ليبرروا خيانتهم، أن من قام بها ليس الليبراليون أو العلمانيون فقط، بل أحزاب دينية شيعية وسنية، ظلت ترفع شعار (الموت لأمريكا) و(يا لثارات الحسين)، و(هيهات منا الذلة) و(الإسلام هو الحل)، فإذا هم يعقدون مؤتمرات الخيانة في لندن وألمانيا وواشنطن، وإذا هم يزحفون بميليشياتهم خلف الجيش الأمريكي، وإذا هم أعوان المحتل، ثم سدنة مشروعه، ودهاقنة حكومته، وسماسرة إعلامه، من جاء معه ابتداء، ومن لحق بهم انتهاء، وإذا ميليشياتهم تحاصر مدن العراق المقاومة مع جيوش الاحتلال جنبا إلى جنب لتدكها على رؤوس أهلها، ولتسفك دماء الأبرياء، بدعوى مكافحة الإرهاب، وإذا هم يدكون النجف وكربلاء كما يدكون الفلوجة وتكريت، فالاحتلال لا يفرق من أجل فرض سيطرته بين سني وشيعي وعربي وكردي!

لقد ضربت العرب المثل في الخيانة بـ (أبي رغال) لا لشيء إلا لأنه صار دليلا لجيش أبرهة الحبشي، حين غزا مكة، وصار العرب يرجمون قبره كل ما مروا عليه حتى قال جرير يهجو الفرزدق:

إذا مات الفرزدق فارجموه

كرجم الناس قبر أبي رغال!

هذا مع أن أبا رغال لم يفعل ما فعل هؤلاء الطائفيون الممسوخون، فصارت الرغالية اليوم مذهبا سياسيا، وصار لها أحزابها، وكتابها، وميليشياتها التي تقاتل بين يدي جيوش الاحتلال، وصار الرغاليون يضعون أكاليل الزهور على قبر الجندي الأمريكي في بغداد الذي جاء لتحريرهم، وما أكثر القبور التي ستتخذ مراجم بعد خروج الاحتلال من العراق!

ولقد جاءت هذه الثورة العراقية المباركة لتغسل هذا العار كله، وليستعيد الشعب العراقي وحدته وحريته وكرامته وثقته بنفسه وبأمته، وليتحقق التحرير على يد كل العراقيين سنة وشيعة، عربا وكردا، ومسلمين وغير مسلمين، ولتعود بغداد من جديد، كما أراد الله لها أن تكون عاصمة الرشيد، ودار السلام، ومنارة الحضارة للمشرق العربي كله!

اللهم احفظ العراق وأهله، وسلم بغداد وأهلها، وأنزل عليهم سكينة من عندك، واجعل نصرهم أقرب مما يظنون، وأيسر مما يتوقعون، اللهم ووحد كلمتهم، وألف بين قلوبهم، وعجل فرجهم، وفرج كربهم، اللهم آمين آمين!)..

انتهى المقال ولم تنته الأسطورة فما زال للحديث بقية مع الثورة العربية!


[1] الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية 5/499 .وهذا البيان بعينه ومضمونه هو البيان المشترك الصادر عن بريطانيا والولايات المتحدة قبل شن الحرب على العراق سنة 2003 واحتلاله بحجة إقامة الديمقراطية وتنمية العراق وتحريره من حكومته!

رأيك يهمنــا